مصاعب مواجهة الصفقة

هيام فؤاد ضمرة

كاتبة و مفكرة أردنية

نستطيع احتساب الشعب الأردني ضمن أكثر الشعوب وطنية من حيث احساسه بأهمية الحفاظ على أمن وطنه، وأكثر الشعوب انتماءاً للأرض والوطن وحباً لملكها وللعيش الكريم، وامتلاكاً لرغبة حقيقية للمشاركة في حدود المقدرة في انقاذ بلدهم الأردني قبل أن تتفاقم أمور المديونية المتضخمة للبنك الدولي بسبب الفساد بالوصول لحالة الإنهيار الأخير، هذه حقيقة لا يمكن لأي مخلوق أنْ يقلل من قيمتها أو يطعن فيها، إنما ماذا يمكنه فعله هذا المواطن الفقير الغلبان في غالبيه سكانه أمام الخطأ الجسيم الذي ارتكبته الوزارات المتعاقبة على ميزانية البلد؟ وسوء برامجها الاقتصادية وسقوطها بين براثن المنتفعين والمستغلين، ماذا يمكنه أن يفعل هذا المواطن المغلوب على أمره والمثقل بعظم مسؤولياته وديونه هو الآخر حين تقوم دولة بلاده بخطف لقمة عيش أولاده من داخل أفواههم من خلال القوانين المتعاقبة في الاعتداء على دخله البسيط، فلم يعد بمقدوره مواجهة متطلباته الأساسية في حدود لقمة عيشه هو الآخر.. فكيف سيواجه انهيار مديونية بلاده؟ وما المستقبل الذي ينتظر وطنه ومواطنه أمام لعنة العقاب الأمريكي وحلفائها؟

Share Button

مما لا شك فيه أن الملك عبدالله الثاني بن الحسين يدرك حدود مقدرة الأردنيين في الصمود، وهو صاحب موقف جدير بالاحترام رغم صعوبة وقسوة الحلقة التي تضيق حول وطنه ومواطنه لدرجة خنق الأنفاس من أجل اركاعه وإعلان قبوله صفقة القرن، واقراره بيهودية القدس التي ستنهي القضية الفلسطينية وتلغي حقوق الفلسطينيين كلها نهائيا ويتم قبولهم بالشتات وتجميع ما يمكن تجميعه منهم في دولة واحدة هي الأردن وقطاع غزة، إنه لا يستطيع أن يسلم كل شيء مقابل لا شيء، ولا يستطيع أن يتنازل عن حقوق إنسانية الإنسان الفلسطيني لأن الأردن أيضاً ستدفع ثمناً باهظاً لو حصل ذلك، فالتحديات المالية تفوق احتمال الوطن والمواطن.. وأمام هذه الهوة السحيقة ما الذي سيبقى بيد الأردنيين فعله بعد الذي فعله؟ سؤال لا يمكن تغييبه في هذه الظروف العصيبة.

من المؤكد والمفروغ منه أنّ الملك عبدالله ليس ضد التغيير والتحديث الذي ينوي كل من أمير دولة الإمارات وولي العهد السعودي العمل لأجله في المنطقة واستقبال عام 2030م بإحداث نقلة نوعية في المنطقة وبناء مدن حديثة بمظاهر حضارية متطورة والتمهيد لانفتاح جديد يلائم متطلبات التطور على الصورة التي يرغب بها الغرب، والأردن كغيره موعود بمثل هذه التحديثات الحضارية، وتم ايقاف مشاريع هائلة وتعليقها على قبول الصفقة الترامبية كمثل بناء المدينة الجديدة ومشروع القناة بين البحرين الأحمر والميت، وما يتمخض عنه من مشاريع ثانوية في ربط الماء والكهرباء بين دول المنطقة، وتشغيل الأيدي العاطلة عن العمل، ورفع منسوب مياه البحر الميت لإيقاف الإنهيارات الأرضية والرملية..

فما الذي يجعل الملك عبدالله ينفرد وحده برفض الصفقة فيما تجري كل التمهيدات لها على الساحة العربية والاسرائيلية والأمريكية لولا رغبته بحفاظه على الإرث الهاشمي؟

وما الذي يجعل حكومة جلالته تضغط بدورها على المواطن الأردني ليشد على بطنه الحزام بكل هذه القوة الخانقة وفرض المرفوض؟

ولماذا قفزت مديونية الأردن قفزتها العالية فجأة وبلا أي مقدمات؟

ولماذا لا يتم استرجاع المال المنهوب من الفاسدين الناهبين قوت الشعب أو حتى ابعادهم عن مواقع السلطة؟

كل هذه الأسئلة وسواها تتبادر إلى ذهن المواطن والمحللين، ليصل لادراكهم معني ما يجري في الوقت الراهن على الساحة العربية من ناحية، وعلى الساحة الأردنية من ناحية أخرى، فالقادم يكاد يكون مرئيا عبر شاشة شفافة تشي بما وراءها، والإدارة الأمريكية الحالية تسير بمخططاتها غير عابئة بأحد، ولا يهمها من يعتبرها نزيهة أو غير نزيهة لانحيازها الكامل نحو وجهة نظر دولة الاحتلال، بدليل اتخاذها كل الخطوات التي كانت تنتظرها دولة الاحتلال وفرضها على كل الدول العربية.

وقد يتساءل البعض لماذا اختارت أمريكا عقاب الأردن اقتصادياً ووقف المساعدات بمليار دولار سنوياً بدل توسيع ميزانية المساعدات ورفع المديونية عن الأردن كورقة لعب تثير اللعاب وتلين المواقف.. إلى أي حد يستطيع الأردن المنهار اقتصاديا وميزانية الصمود؟




المستقبل قاتم؛ والتوقعات تصطدم باجابات مخيفة قد لا تستطيع الاذن سماعها، فهل رفض أي مسؤول عربي لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس سيوقف سريان أمر قرار ترامب النافذ؟

توقعات الاقتصاديين والمتعمقين في الثقافة الاقتصادية، تقول: أنه خلال وقت قصير جداً لا تتعدى عامين على الوضع الاقتصادي العالمي وكل الشواهد الحالية تؤكد امكانية حدوث انهيار عالمي وشيك اقتصاديا.. فمن إذن الرابح الحقيقي في هذا العالم الذي يقابل الخاسر؟ وإلى أي مصير سينتهي أمر العالم؟ وأمر دولة صغيرة مرهق كاهلها  بالديون للبنك الدولي؟ إذن لماذا يتم وضع المواطن الأردني الغلبان بين حجري رحى يعصرانه حتى القطرة الأخيرة طالما هذا المواطن غير قادر أصلاً على تلبية طلبات حكومته برفع قيمة الضرائب والتحايل عليه برفع الأسعار بالصورة المبالغ فيها وإدخال مسميات ضريبية غير واقعية؟

المواطن الأردني بات يعيش حالة لا يحسد عليها، والمنتفعون وحدهم يعيشون بعالم خاص بعيد عن احتراق المواطن الغلبان وتقلبه على جمار العوز والفاقة.. فهل من نهاية قريبة لهذا الاحتراق المبرمج والممنهج؟

الواقع ومؤشرات الحالة الراهنة كلها تشير إلى أنّ البلد آيل إلى نهاية غير متوقعة، ربما تكون بحق هي الصفعة النهائية التي تنهي مهمة قام لأجلها وطن على حدود فلسطين المحتلة، وطن يفصل بينه وبين العدو أطول خط حدود وأضعف خط حماية من الناحية التجهيزية العسكرية، عاني بشدة قبل أن يشتد صلبه ويصل أفضل مراحله، ليعاود سريعا الانزلاق إلى منحدر الانهيار.. فهل يستمر هذا البلد في الانهيار أم تمتد في اللحظات الأخيرة أيدٍ منقذة تلقي بطوق النجاة وأصحابها يقهقون.

لا أحد يستطيع التنبؤ بالقادم إن كان سلباً أم ايجاباً، ولا أحد أيضاً يمكنه التكهن بما تخبؤه ألاعيب القوى الخارجية التي باتت هي المحرك لكل جزيئات المنطقة في الشرق الأوسط من نهره بالعراق إلى محيطه في المغرب العربي، والكراسي في بلاد العرب باتت هي الأخرى مهتزة غير ثابته توشق على الانقلاب بأصحابها إلى الحضيض، فالكيد الغربي الذي تحركه الآلة الصهيونية يعيث فسادا ويموج إفسادا وما من شيء يوقفه أو يحجزه عن الاستمرار.

مقالات ذات صلة

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *