لن أكُتب مرةً آخرى

نزار بشير عبدالله

كاتب و إعلامي-السودان

” يبدو أن القرار لم يكن سهلاً أبداً؛فقد ظللت أعاني أمامه متردداً وقتاً لا أذكره،ولكنه الواقع المرير،الحقيقة التي حاولت أن أتهرب منها؛لن أكتب مرةً آخرى،ما عاد لدى الكثير من الحِس والشعور لأكتب به؛يبدو أن مشاعري قد تآكلت بفعل الأيام و أصبحت غير قادرة على إستشفاف آحاسيس الآخرين، وما فائدة الكتابة إن لم تفعل ذلك،حسناً… يبدو أنها كلماتي الآخيرة في عالم الحرف والكتابة وسأعيش بعدها في سلام دون أن أفكر لحظةٍ واحدة أنني في حوجة لتدوين مشهدٍ ما أو حكاية … إلى اللقاء ” .

 قُبيل أن أغادر دعوني أذكركم و أخلص ضميري:

” إنها الكلمات الأخيرة،وها أنا أهجرها،فالكتابةُ موتٌ،الكتابةُ وهمٌ،الكتابةُ صمتٌ،الكتابةُ غياب والشعر لن يغير العالم “

Share Button

هكذا قال الشاعر البناني (وديع سعادة) بحسب ما ذكرت الكاتبة (فاطمة ناعوت ) في كتابها المغنى والحَكَّاء أما ما قرأتموه في الأعلى لاشك أنه قد مر بك إن كنت من الكٌتّاب؛فهي حالةٌ يمرُ بها الكثير من ممارسي الكتابة كحدثٍ عارض وربما بقى مع أحدهم فترة طويلة. ولكن ما يلبث أحدهم أن عاد إليها مرةً آخرى متعللاً بشئٍ ما دون أن يعترف بالحقيقة التي يخشاها هو أنه لا يستطيع أن يتخلى عنها بسهولة فهو (يتنفس بها ) وذلك لأنه من الصعب جداً على الذين ألِفوا الكتابة أن يتركونها ف الإقلاع عن الكتابة كالإقلاع عن التدخين تماماً؛بل هو أكثر صعوبة.

التوقف عن الكتابة أمر لا يملكه الكاتب فهو ليس بيده تماماً كأمر الكتابة،وذلك لأن الكتابة كفعل يمارسه الإنسان مرتبط بالوجدان والشعور،فهناك الكثيرون الذين لا يملكون الوقت الكافي ليكتبوا ومع ذلك يقتطعون من وقت نومهم وراحتهم ليكتبوا ما يدور بخواطرهم ولو كانت هوامش أولية ليعودوا ويكملوا فكرتها متى أُتِيح الوقت وتيسرت الأمور ؟ بل كيف تفسرون مواصلة الكثير من الكٌتّاب على ذلك رغم الفقر الذي يكتنفهم فالكتابة لا تُغني الكاتب فهناك أكثر من طريق للثراء غير الكتابة و أقصر من طريق،كما أن الكتابة ليست هي الطريقة السحرية للدخول على بوابات الشهرة لأن هناك ملايين الطرق الأسهل لتدخل بها ذلك المجال؛إذاً الأمر أكبر من مجرد رغبة لدى الإنسان في ممارسة فعل الكتابة.

في معظم الأوقات يكتب الكاتب وهو لا يدري لماذا يكتب سوى حوجته أنه في حاجة لأن يكتب كما قال فيودور دوستويفسكي في روايته الأبله :

” كيف حدث أني أكتب إليك ؟ إنني لا أدري. ولكنني أشعر برغبة مستبدة في ن أذكرك بوجودي ” . يمكن تلخيص عناد الكاتب في التخلي عن الكتابة ورغبته المستمرة في ذلك في أنه يمارس حياته (الطبيعية) وهو لا يدري ولا يستطيع أحد أن يتخلى عن حياته وبالتالي من الصعب أن يتخلى عن الكتابة؛جُلّ ما يمكن أن تسببه من متاعب لصاحبها هي أنها قد تخصم من علاقاته الإجتماعية كونه يحتاج لفترات طويلة يقضيها بين الأوراق في التدوين والتعديل والتدقيق والتقويم،وفي أنها تأكل من نومه الكثير فلا يكاد يجد الوقت الكافي للنوم في كثير من الوقت.




قد ينجح أحدهم في هجرها فترةً من الزمان ولكن لن يلبث فترةً من الوقت حتى تعود لرأسه الهلاوس و الوشوشات والأفكار التي تشغله وتخنقه ويصبح كالغريق الذي يبحث عن فسحةٍ أخيرة يلتقط بها أنفاسه فيعود للتدوين شَرِهاً،شَبِقاً بالكثير من الأحمال فقط لأنه عاند وتركها لفترة قصيرة،في المقابل يظن الكثير من الكٌتّاب أنه يحتاجون للوقت الكافي يحتاجون لأن يتفرقوا من أعمالهم ومشاغلهم وإلتزاماتهم ليستطيعوا أن يدونوا الكثير من الأفكار ولينتجوا المزيد من الكُتُب؛ولكنهم ما إن يجدوا الوقت حتى يكتشفوا أنهم كانوا مخطئين في إعتقادهم ذلك إذ يكتشفون أنهم أصبحوا أقل إنتاجاً لينشغلوا بأشياء آخرى ما كانوا ليجدوا لها الوقت في زمنٍ كالذي مضى .

من الطبيعي أن تكون هناك فترة توقف عن الكتابة ولكن ليست تركاً ولا إقلاعاً عنها بتلك القناعات التي تراود الكُتاب في كثير من الأحيان؛يصاب الكاتب بإعياء وفتور من المفردات وما يحمله طقس الكتابة من ضغط نفسي فيتوقف مضطراً عن الكتابة ويظن نفسه أنه غير قادر على العطاء فيعلن أنه قرر ترك الكتابة بلا عودة ولكنه لن يفعل وكنت قد قرأت مرةً  أنه “ في الثمانينات أعلن الشاعر العراقي بلند الحيدري توقفه عن كتابة الشعر،ولكن لم يمضِ عام حتى فاجأ القراء والصحافة التي كانت رحبت بقراره،بديوان جديد لم يكن في منزلة أعماله السابقة ”

إذاً يا صديقي ربما قلت في يومٍ ما بينك وبين نفسك ” لن أكتب مرةً آخرى ” كتمرينٍ صغير قبل أن تخبر به العامة،تأكد بأن شئ ما خفي سيجعلك تنكص وعدك هذا وتعود خائباً من جديد لعالمك الذي تحب.

مقالات ذات صلة

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *