عصبية مذمومة

هيام فؤاد ضمرة

كاتبة و مفكرة أردنية

لسنا ندرك كيف تتكون الكراهية في عقول جمع غفير من الناس، هل يمكن أن تكون ذات بيئة عدائية مستحكمة تتخزن في العقل الباطن للجماعة وتخرج عند مقابلة الضعفاء من البشر؟.. أهي ترجمة عصبية من نوع العدوى المتفشية؟.. فأنى لهذه الزمرة أنْ تدرك معنى أن تفقد من حياتك نبض الحياة الطبيعي، والأمن والسكينة التي تحفظ على المرء كرامته.. بل وكرامة حياته، فيضطر للعيش خارج ملاذه الذي تعوده واعتاد على بيئته، بيئته التي منحته الهوية الجغرافية، وقد كان زرعها بذكرياته حد الاملاء، ليخرج منها عار تماماً من كل شيء، لا ماض ولا ذكريات ولا خصوصية، والخوف يلبسه ثوباً ضيقاً يخنق أنفاسه من رأسه لأخمص قدميه، ليجد نفسه في ظروف اللجوء داخل مخيمات تلاطمها العواصف وتباغتها الفيضانات وتخنقها أجواء الحر لا تكاد تخفي عريه، ولا تشبع قرصة الجوع في أمعائه الجافة، أو تدفىء أوصاله في البرد الشديد والصقيع العتيد، أو حتى ترحم هجمات الحرارة والاسهال عن أطفاله الصغار وهم لا حول ولا قوة.

Share Button

فكيف بالله يتكون العداء في قلوب الناس ويشحنون أنفسهم بفيروسه الكريه دون أن تظهر بالأجواء معاملات إنسانية قوية وفاعلة، تشكل علاجا شافياً تقضي على مثل هذا الفيروس الاجتماعي العجيب؟ أنى لمشاعر الانسانية بالحضور بين أهل العروبة الواحدة، وقد مزقت أواصرها يد الغريب.

قد تكون لهؤلاء القوم ذكريات أليمة مع شعب هذا البلد أو حكومته، رغم أنها لم تصل بأي من الأشكال لدرجة طعن إنسانية الإنسان، وشحنه بالكراهية للمهاجرين الآتين من دولة جوار على الحدود داهمتها الكوارث من كل لون واضطر بعض من ناسها إلى الهجرة لتعرضهم للتخويف والترهيب، وأتساءل من نزع قلوب هؤلاء العرب من مكانها وألقى بها في غياهب الأحقاد، ما الذي دفع بهؤلاء نحو عداء بني جلدتهم العرب ليقسوا على بعضهم بهذه الطريقة اللئيمة؟؟

في الآونة الأخيرة قام أحد الأشخاص مواطن في دولة عربية مستقبلة لمهاجري الجوار، بارتكاب فعل لا إنساني غريب يدخل في عمق العنصرية البغيضة ورفض الآخر الغريب حد الاحتقار والإزدراء، والجريمة الإنسانية التي تفوق التصور، وتتجاوز حدود التوقع، لا يمكن تصنيفها إلا ضمن جنون التعصب والكراهية البغيضة، حيث قام هذا المواطن والغريب أنه سائق سيارة إسعاف، بإجبار والد طفل متوفي من المهاجرين السوريين، على نبش قبر طفله الصغير بعمر الأربع سنوات، كان دفن منذ أيام في مقبرة القرية، وإخراج  جثته خارج المقبرة، فاضطر وقلبه يكاد ينفطر حزنا وذلا، إلى نقل جثمان طفله إلى مقبرة قرية بعيدة عن القضاء، ورأسه يكاد ينفجر غضبا، والإذلال يتعمق بكيانه الجريح..




مدعيا هذا السائق أنه أخذ الأمر بذلك من قائم مقام القضاء وهي امرأة، لتكتمل دائرة الغرائيبة في طبيعة هذه المرأة التي بدت عاراً على الأنوثة، حيث عرفت المرأة بالعموم أنها هي مصدر الحنان، وقلب الأم فيها يجعلها أكثر رحمة بالأطفال وبالوالدين المنكوبين المكلومين.. متخذة حجتها أنّ هذه المقبرة لأهل هذا البلد فقط.

حادثة بل جريمة فاقت حدود الإنسانية، وحدود التوقع بالغلو في العصبية العمياء والعنصرية بالجاهلية العوراء، وتعدت على أسمى العواطف والأخلاق الإنسانية.

عباد الله اتقوا الله وهو الذي سماكم المسلمين، فمن ابتغى العزة بغير الله أضله الله، فإسلام جاء ليرسي دعائم الأخلاق، ورحمة الإنسان بالإنسان، وإكرام الضيف الذي أجبرته الظروف على الهجرة وترك ماله ومتاعه، ويعيش في البلد المضيف ضمن ظروف صعبة نفسيا وإنسانياً واجتماعياً واقتصاديا لا يعلم بما يعاني غير الله.. فارحموا غيركم يرحمكم الله.. فالدول العربية بلاد تظل المرجل الساخن المتفجر دوما بالحروب، ولا يعلم غير الله متى تدور الدائرة على أحدكم

ألا لا يَجهلن أحدٌ علينا== فنجهلَ فوقَ جَهلِ الجاهلينا

إذا بلغ الرضيعُ لنا فطاماً== تخِرُّ لهُ الجَبابِرُ ساجدينا

مقالات ذات صلة

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *