المسيرات الشعبية نتائج طبيعية للاختناق

هيام فؤاد ضمرة

كاتبة أردنية

من أسوأ ما ترتكبه الحكومات ضد شعوبها الثائرة على الوضع العام المعيشي والمهني والاقتصادي أن تكمم الأفواه وتضيق الحريات، وتمارس الاستبداد بصورته السلبية، وتضرب بيد من حديد لوقف الاعتراض وعدم استقبال مطالب الاصلاح، معتقدة أنها بذلك تخرس صوت الشارع العام وتأمن على نفسها مخاطر التغيير والإزاحة.

Share Button

فمثل هذا إنْ حصل فهي بذلك تدير لشعبها ظهر المِجَنّ، بمعنى التخلي عنه ومعاداته والإنقلاب عن مودته ورعايته، فسوء التعاطي مع مطالب الشعب وتلبية حاجاته التي تعطل مسيرة عيشه الكريم نتائجها وخيمة على تلك الحكومات، لأنها ترفع من قيمة معاداة الشارع لها، وهي بذلك تعرض وضعها العام للمخاطر الجمة من الداخل ومن الخارج، لكون وجود قوى دولية لها مصالح عليا في السيطرة على دولة ذات مقومات عالية، وقيمة وجودية مهمة، وجغرافية شاسعة باطنها الجيولوجي غني بالمقدرات الاقتصادية العظمى، خاصة أن الدول العربية غير صالحة لاستغلال الثروات ولا تحسن حتى إدارتها، فينظر الطامعون إليها نظرة الجائع المتربص بها، ينتظر زلتها وسقوطها وإذا ما زلت كانت النهاية عصيبة.

فالظلم ظلمات وحين يصل الأمر بالمظلومين حدود الانفجار لا يعودون يعوا بأي الطرق عليهم أنْ يتحصلوا على حقوقهم فيسعون جاهدين على الاحتماء في تحركهم على الجموع الغفيرة على أمل ايجاد منفذ من خلاله يستطيعون أنْ يوصلوا صوتهم للمسؤولين،  فإذا لم يكن المسؤولون على وعي كاف في إدارة الأزمات أو لديهم قصور في كيفية التعامل والسعي الحقيقي نحو تحقيق مطالب الشعب فعليهم أن يتنحوا جانباً عن المواقع وترك القيادة لمن هم أجدر لذلك، ومن الخطأ ثني الحديد بقسوة باستخدام القوة لإلا ينكسر فينعكس عليه سلباً.

فلو كان الظلم رجلاً وأراد الانتساب لقال أنا الشر على حقه وحقيقته، خلقت من ظهر الظلم فهو أبي، وولدت من الإساءة والضر فهي أمي، أتمسكن لأتمكن، وأخذل وأخون لأصل بغيتي، وأصنع الأذى وأتسبب بالفقر والفاقة والبطالة وأناصر الفساد لأخرب وطني فهم عمي وخالي وكامل عشيرتي فمن منكم يقترب مني فأحيله إلى كرة لهب، فإذا كرة اللهب لا تحرق سواه وتحيله إلى رماد منثورا.

فإذا كانت الطبيعة بالإنسان أن يميل نحو الظلم والغرور حين التحصل على مناصب عليا لأن الله قد خلقه جباراً ظلوماً، فالله جعل القوانين السماوية الحاكمة، والإنسان اعتمد القوانين الوضعية الناظمة لضبط ظلم الإنسان الذي تغره نفسه الأمارة بالسوء فيمارس جيروته من خلال السلطة المعطاة له فيتم من خلالها إحقاق العدالة، وإذا ما وصل الظلم حدوده القصوى فقد يفقد الإنسان قدرته على التعامل الآمن مع المسؤول الذي يمثل السلطة، وبالتالي يجد نفسه مجبراً على الثورة في وجه الظلم المتكاثر عليه والظالم المتجاهل حقوقه، فالثورات الشعبية ما هي إلا نتيجة ظروف اجتماعية ومعيشية وأمنية لم يحسن المسؤول إدراتها بالصورة الصحيحة كونه المؤتمن عليها، فالظلم كل الظلم أن يطالب المسؤول الكادحين المرهقين باستمرار شد الحزام على البطن الخاوية.

سئل العدل كيف يرى بعينه الحكيمة شكل الحقيقة فقال: ما اتفق عليه السواد الأعظم من الناس، فإذا كانت مسيرات الشعوب للتعبير عن ذاتها تسعى إلى مطالب الإصلاح والتغيير وتحقيق العدالة فعلى المسؤول أنْ يدرك أنّ المواطنين وصل بهم الصبر حدوده القصوى، وأنهم صبروا طويلاً على المظالم حتى لم يعد بمقدورهم الاحتمال، وعلى المسؤول في هذه الحالة أن يكون حكيما لا شديدا، وأن يكون رحيماً لا قاسياً، وعفيفا لا فاجراً، وعادلاً لا ظالماً،

فمن أقبح أصناف الاستبداد؛ استبداد الجاهل على العالم واستبداد المتسلط المغرور على أهل الحق، وأسوأ الظلم حين يرتدي الظلم لبوس التقوى ويتدارى في عباءتهاِ، فيمارس ما يخالف الشرع ويتعارض مع الحق، فلك أن تتصور حال مواطن يرى الظلم يتحوطه من كل ناحية ويخنق أنفاسه ويُلجم تحركاته ويكمم فاه ويقيد حريته، فالاستبداد يقلب الحقائق على عكسها تماِماً ويوقع الظلم والمفاسد، فيسوق أصحاب السلطة للاعتقاد أنّ خروج الناس إلى الشوارع للاعتراض على ممارسات السلطة الفاشلة والخاطئة إن هو إلا فجور نتيجة رخاء زائد ودلال ثابت وحريات مطلقة لا يستحقها وليس هو مؤهل لأن يتملكها، وهذا لعمري خطأ فادح لا يعقل الوصول إليه ومعاندة إرادة الجموع الغفيرة من أصحاب الحقوق الضائعة.

الغريب في الأمر أن الجميع يدعي الحق والحقيقة وإدراكه للعدالة، حتى الظالم نفسه الذي ملأ صفحات التاريخ بظلمه وجبروته بأبشع الصور يرى نفسه من يملك الحق والحقيقة ويمارس العدالة بواقعها الصحيح ويحاول جاهداً دون لبس أن يقنعك على أنه على الحق أقوى وأعلم وأمكن وتسمع شعاراته فتجدها مفعمة بهذه المشاعر، فتقف مدهوشاً تنظر في عينية لتراه منافقاً ومدعيا ومتوارياً، والحقيقة أن المشكلة تكمن في رؤيته المريضة وانحراف مفاهيمه الرئيسة كونه يعتقد أن سلطة النار والحديد هي الأجدى لاحقاق الحق وهي الأنفع لتحقيق السلامة.

كثيرا ما تكون الجماهير سبباً رئيساً في تعرضها لاستبداد جماعات السلطة، لأنها تسلم كافة الأمور لرؤيا الحاكم دونما محاورة أو معارضة أو تقديم النصح، وممارسة دور الرقيب المحاسب بالصورة الايجابية المسالمة، وتنسى أن الإنسان في موقع السلطة معرض لمرض نفسي لا سلطة له عليه وهو مرض الإحساس المفعم بالقناعة أنه المالك الأوحد للرقاب ويستطيع بحركة يد أو بجرة قلم أن ينهي حياة أو يبقيها بغض النظر لحجم جريمته أو ما يراه هو شكل من أشكال الجريمة وما هي بجريمة، تماماً مثلما يتعرض له أصحاب الرأي الحر خاصة أصحاب الرأي الناقد أو الرأي المعارض، حيث لا يعامل على دوره التصحيحي بل يتهم بتأليب الرأي العام على صاحب السلطة وهنا تكمن المخاطرة بالرؤيا العوجاء لصاحب السلطة وتسلط الخوف عليه من فقد السلطة.

فلسلطة إغراء عجيب لدرجة أن تجعل مريضاً مقعدا هرماً يتشبث بها حتى الرمق الأخير وكأنها جنة الخلد التي لا يجب أن يفقدها حتى لو كان بوجوده فيها مخاطرة على الحقوق العامة وعلى الوطن العظيم، وتعطيل للتقدم الحضاري وإقرار الخطط التي تتماشى مع تزايد عدد السكان وتزايد عدد الخريجين الشباب من المؤسسات العلمية العالية، وحاجتهم لتوفير فرص العمل بشكل مضطرد، ومثل هذا يحتاج لحاكم شاب قوي البنية، حاضر الذاكرة والبديهة، وسريع الحركة، لم يستهلك علمه وإبداعاته في الإدارة النشطة بعد، فنجاح الغرب بالقفزة الحضارية العظمى سببه تداول السلطة مع كل المؤهلين المجددين.

وعلى الشعوب أن تتخفف من حملها الثقيل لتلك التقاليد والخرافات التي لازمت خطوها في مراحل تخلفها ولتنظر للحياة بصورة أعمق وأشمل نظرة العالم المؤمن بالحدود غير المغلقة وغير الضيقة، فعلى العقل العربي أن يكون حراً طلقاً في التفكير العلمي والنهج النافع ليتخطى المعيقات ويتجاوز خطوط التخلف لتتدفق الحياة بالصورة الصحيحة في مجراها الصحيح ليلحق بركب العلم السريع.

مقالات ذات صلة

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *