السودان بين لاءات الشعب المنتفض وفوضى الانقلابات وتحليل المسببات

هيام فؤاد ضمرة

كاتبة ومفكرة- الأردن

كُتب على هذه الأمة الشقاء والمآسي وغياب العدالة، واستبداد الحكام وتلقي الظلم بأشكاله وحالاته من قبل أنظمتهم غير الديمقراطية، واستحواذ هؤلاء الحكام على مواقع السلطة مدى الحياة وتوريثه لأبنائهم، والسيطرة على مقدرات الوطن الاقتصادية والمالية والاستحواذ على حصص خاصة منها لهم شخصيا ولمن يعنيهم، إضافة إلى سلسلة من الإنهزامات التي تصدم العقل والوجدان وتقيِّد تفعيل العقل وتجمِّد حلوله

Share Button

ومما يزيد الأمر خطورة وتعقيد ومآسي هو تسلط الغرب عليه بصورة متغولة ودس أنفه في كل قضاياه وتحريكها باتجاهات تخدم استراتيجياته ومصالحة الآنية والمستقبلية، والتلاعب بأمنه واقتصاده وقراره السياسي العام، وأقصد بالغرب دول التحالف الغربي الاستعماري المترئسة للمشهد الدولي في هيئة الأمم المتحدة التي أسست في أصلها لبث العدالة في العالم وحل النزاعات بين الدول، وإذا بها تطبق عدالتها الخاصة على الوجه الذي هي تريد، وتجعل من حلولها سوطاً يجلد دول العرب وشعوبها وتجعل منهم أمة تتلقى كل أشكال الظلم والتجني إلى درجة أن تزن الأمور بميزانين مختلفين، وتسمح بتطاول دول الهيمنة إلى أن وصل بها الأمر أن تمنح نفسها صلاحية المالك لأوطانهم، فتقدم على تقديم أراضي العرب ومدنهم هبة لمستعمر محتل.

محاولة الأمة العربية بالعودة إلى ذاتها وحضارتها المفقودة يجعل الغرب في حالة رعب عظيم وخوف ذميم من قيام حضارة العرب والمسلمين واسترجاع قوتهم على ما كانت عليه، ويجعل الحكام العرب الحاليين في حالة توتر واستنفار وهم الذين أولوا كل شيء الاهتمام عدا مصالح مواطنيهم وحقوقهم، فتأخروا حضارياً رغم توفر كل ما من شأنه أن يجعلهم بالمقدمة، فالاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة ويعتمد نجاحهما على حسن الإدارة وخلوص النوايا ومصداقية الحكم وأمانة الأداء.

يعايش الشعب السوداني اليوم انفلات صبره، وتصاعد احتقان الشارع وانفجار لاءات معارضته للحال المزري الذي بات يعيشه المواطن ويثقل عليه أسباب الحياة، وكانت بدأت انطلاق الشرارة من مسألة الاعتراض على سعر الخبز، ليتطور سريعا إلى المطالبة بتنحي الرئيس عن السلطة التي احتكرها لثلاثين عاماً، ومطالباً بالإصلاح وتحقيق العدالة، ونزلت أعداد مهولة إلى شوارع مدن السودان مطلقة العقيرة بالمطالبة بالإصلاح والقضاء على الفساد وتغيير سدة الحكم، وجُوبه الشعب الأعزل المسالم بالقوة العسكرية وسقط عدد من القتلى بصورة مأساوية.

هذا الشعب الذي يعاني الفقر بات اليوم يطالب بحزم أن يُنصف ويعيش درجات التقدم حضارياً ومعيشياً وأمنياً، وجاء موقف الجيش مؤازراً لمطالب الشارع بعد أن عقد اجتماع المجلس العسكري، وتم التوافق على إقالة عمر البشير وعلى انتقال سلمي للسلطة، وحل المجلس التشريعي، وهذا الموقف لم يتخذ بداعي الوعي والنضوج فقط، كما نتصور على أنه لهدف محاصرة كل ما من شأنه أن يشكل خطراً على السودان كوطن حر، ومنعاً لتدخل الغرباء إن اعتبرنا السعودية والامارات وقطر ومصر خارج تشكيلة الجهات الغربية وليس هي من تحركها فعلياً، بل كانت قيادة العسكر برئاسة وزير الدفاع الفريق أحمد عوض بن عوف تنتظر الفرصة السانحة لقلب الحكم، ودليل ذلك محاولة العسكر إقصاء القوى المدنية والاستحواذ على الحكم لمدة انتقالية تمتد عامين،

ومن ثم تطورت الأحداث ليحدث إنقلاب على الانقلاب ليأتي عبد الفتاح البرهان رجل البشير في إدارة فصائل العسكر السوداني في حرب اليمن، ويتسلم منصب رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني، ليخرج محمد عوض بن عوف بهيئته المضطربة على الشعب معلنا تنازله السريع غير المبرر لعبد الفتاح البرهان، والبرهان مدعوم من قبل كل من السعودية والإمارات، ليقرر  فرض حكومة غير منتخبة من العسكر، ويأمر بالقبض على الرئيس المعزول عمر البشير ويزج به في السجن، كما يسجن عدد من وزرائه وإخوته وزوجاته.

ومن ثم يتم إخراج على الشعب المقصي عن مشهد التنافس على الحكم، بيانات تجمع المهنيين السودانيين الممثل للحزب الشيوعي السوداني الذي يقود الاحتجاجات والتي تقرر الانقلاب على عبد الفتاح البرهان وعرض برنامجها الاصلاحي على الطريقة الشيوعية الفاشلة الذي وصفه المحللون بالساذج جداً والذي ممكن أن يؤدي بالسودان إلى التفكك والنهاية على شاكلة ما أدى بالإتحاد الروسي إلى النهاية.. وحتى هذه النهاية تكون السودان قد ارتكبت منذ استلالها 10 انقلابات نجح منها أربعة فقط.




وككل حكام العرب وقد عهدنا بهم الأنانية المطلقة، التصق البشير بمقعد الحكم السوداني وتشبث به بقوة مدة طالت لثلاثين عاماً وما كان ممكناً أن يغادره إلا بحركة شعبية منتفضة ومؤازرة عسكرية داعمة، وعدا ذلك فسيظل هما ثقيلا على على عاتق الشعب وعلى نظام الحكم في السودان ويمارس هيمنة موغلة على أهل جلدته وعلى وطنه السوداني، وهنا كان يترتب على البشير أن يكون متعاونا قدر ما يستطيع مع إرادة الشعب، لأن ما من بلد سيحقق له الأمان كوطنه في ظل كونه شخصية مطلوبة لمحكمة العدل الدولية في خمس قضايا جنائية، فقد أدرك أن الإخلاص للوطن هو الخلاص، وعلى هذا كان قبل العزل في بداية الانقلاب.

هناك دوماً علاقة تأزم تاريخية تلازم تضخم ثروات الحكام والملوك والمنتفعين على نفعهم والوصوليين المستغلين مراسم الفوائد، يقابلها على الجانب الآخر فقر مدقع لأفراد العامة من الناس، وتدهور كبير في الاقتصاد العام، وتدني أحوال معيشة الشعوب وتزايد حاجاتهم، حيث تسقط الحواجز التي تفصل المال العام عن المال الخاص عند هؤلاء الحكام، وتتحول أموال الحكام المنهوبة إلى سوق الاستثمار العالمي في جزء منها والجزء الأكبر يتحول إلى المخازن السرية الخاصة، لتتراكم أموالهم كالجبال في البنوك العالمية،  في دول جعلت من قانون حركة المال وقانون البنوك عندها مرتكزاً لجذب الأموال المحمية بالسرية، مما رفع حصيلة أرباحها في التشغيلات داخل أسواق الاستثمار العالمية إلى أرباح طائلة لتحقق مدخولاً وطنياً هو الأعلى على الإطلاق.

إنّ سياسة تفقير الشعوب والحكومات هي فكرة جهنمية يهودية تبنتها حكومات أمريكا ذات السياسة الاستعمارية على صورتها الحديثة لعدم استنزاف سلاحها ورجالها بالحروب العسكرية، وبدأت لعبة تفقير العالم باستخدام وسائل ابتدعها العقل اليهودي صاحب الخبرة بجني الفوائد والأرباح المالية، فاستحوذ أغنياءه على الذهب العالمي، وغالبية المواد الخام المهمة للحياة، وعلى نوادي الليل والقمار والتجارة الممنوعة حتى انتهوا بالسيطرة على حركة الأموال في العالم، وتم افتتاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ليلعبا دورهما ويمنحا الدول المتعثرة مادياً قروضاً محكومة بالفوائد تتحول فوائدها فيما بعد إلى ديون متراكمة تمنح ادارة البنك حق التدخل سياسيا واقصاديا لدفع تلك الدول إلى الضغط على شعوبها لسداد الديون على حساب جيوبهم المفرغة الأمر الذي يصل بالشعوب إلى درجة الخروج إلى الشوارع للاعتراض على سوء الإدارة وانتشار الفساد

وجاءت فكرة منظمة التجارة العالمية لتكمل السيناريو في تدمير الواقع الاقتصادي للشعوب حتى وصل الأمر بالدول الفقيرة أنْ فقدت بالموت جوعا أعدادا مهولة من البشر فاق أعداد قتلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهذا ما يؤكد قدرة دول الاستعمار والهيمنة على ارتكاب المجازر البشرية ليس بالسلاح وحده وإنما بالوسائل الإجرامية

ما نريد الوصول إليه هنا! هي تلك الظروف التي فتحت فلينة عنق الزجاجة المغلق في عدد من دول العرب المعروفة بممارسة حكم الاستبداد والتجارؤ على توريث مهام  الحكم للأبناء، لينفجر ما بداخلها مما فاض ضغطه وعلا انفجاره.

وهنا يترتب على الحركة المدنية التي حركت الشارع أن تدرس هي الأخرى ما يترتب عليها من دور، لضمان وصول أهل الثقة وأصحاب المشروع الإصلاحي الحضاري الواقعي، ومن يضمن تمثيلها في الإدارة السياسية على خير وجه، وتكون مقاصده صادقة غير قابلة للانحراف عن الأهداف الرئيسة في قابل الأيام، فالمهمة ليست بالسهلة بسبب تغولات العسكر على ما لمسناه بتجارب الشعوب الأخرى

مقالات ذات صلة

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *