البلاد بلادكم والحراك حراككم

هيام فؤاد ضمرة

كاتبة و مفكرة أردنية

ستة أسابيع من الحراك الشعبي السلمي المليوني حسمت موقف الرئيس الجزائري المتهالك صحياً عبد العزيز بوتفليقة، مستجيباً لمطالب الشعب بتقديم الاستقالة والتنحي فوراً عن السلطة تهدئة لصدورهم الثائرة الباحثة عن فرصة أفضل للجزائر وأجيالها المقبلة على الحياة، ودرءاً لمساعي الجيش لعزله في حال عدم تنحيه عن السلطة بقرار شخصي منه، متكئاً على المادة 102 من دستور البلاد، في نهاية لم يجدها لائقة بخدمته الطويلة، في سبيل تهدئة الشارع وعدم تعريض البلاد للمخاطر الجسيمة، حقا ألقى الرئيس سلاحه مرغماً حين وقف الجيش إلى جانب الشعب حيث مهمته الطبيعية حماية الوطن وحقوق شعبه، ألقاه مرغماً ولكن تحت ظروف نفسية صعبة للغاية وكانت تبدو عليه إمارات الذهول، بل كانت بدت عليه مظاهر الصدمة والحزن إزاء الأحداث المتسارعة.

Share Button

وتتسارع الأحداث بشكل حاسم بعد أن شارفت الجزائر على أن تطوي زمن سوف يصبح من ماضيها ويدخل في تسلسل تاريخها، وكان الرئيس بوتفليقة لعب دوره الرئاسي باجتهاد على ما ارتآه من وجهة نظره، وتولى إعمار الجزائر في مرحلته، وإن كان الجزائريون ظلوا يتساءلون عن ضخامة الإنفاق في مرحلة العشرين عاماً والجزائر تملك كل مكونات الدولة الغنية من نفط وغاز ومقدرات طبيعية غنية، ماذا كان يفترض أن يكون عليه حال الجزائر وحال شعبه لو كانت هناك إدارة ناجحة للدولة؟

لكن الشعب خرج اليوم في مرحلة وعيه الحديث وفي ذهنه خارطة طريق واضحة، يطالب بحقوق باتت تلح عليه وتتطلبها حاجته المعيشية ليحافظ على كرامة إنسانيته وكرامة معيشته، فالشعب كانت تخدره الوعود إلى أن باتت تشكل ضغطاً هائلاً على أنفاسه، وبدأت تتوضح الشروخ مع الوقت، ووصل حال الناس إلى الزاوية الضيقة التي تضغط على أنفاسهم.

من الطبيعي أن يجتمع المجلس التشريعي معلناً شغور منصب رئيس الجمهورية بعد أن أمضى بوتفليقة نحو عقدين من الزمان في الحكم ليتولى دور إدارة البلاد بالوكالة في مرحلة شغور منصب الرئاسة رئيس مجلس الأمة لمدة أقصاها 90 يوماً تعتبر هي المرحلة الانتقالية التي ستجري خلالها انتخابات الرئاسة الجديدة، وهنا يترتب على الشعب الجزائري أن يتحمل دور المسؤولية تجاه وطنه ونفسه في انتخاب الشخص المناسب، وهو يعبر مرحلة معركة التغيير الجذري للنظام خاصة مع رغبة الغالبية الشعبية على تغيير كافة وجوه الحكومة.

موقف قائد المؤسسة العسكرية أحمد قايد صالح كان حكيما وواعيا وانتصاره لإرادة الشعب هو الإجراء الصحيح الذي حقن دماء الناس فقد أحسن هذا القائد إدارة الأزمة بنجاح، ولم تسفك نقطة دم واحدة وظل الشارع الجزائري نظيفاً مشافياً

الشعب مارس قمة المسؤولية خلال الحراك ولم تتعرض ممتلكات الجزائريين لأي ضرر، فقد تصرف الشعب الجزائري بعظمة حضارية عالية، ظللنا نتابع حراكه الراقي بكثير إعجاب وكثير احترام، ونحن على علم أنّ الجزائريين شعب يتشبث بأصالته وتاريخه ولم يخلع ثوب انتمائه، كنا مشدودين لمنظر العناق بين العلمين الجزائري والفلسطيني، لقد عرفنا أننا أمام شعب عظيم صاحب مبادئ عالية ومواقف مشرفة.




ومحاولة سعيد بوتفليقة سارعت في التعجيل في تطور الأحداث إلى أن وصلت إلى ما آلت إليه من نجاح في تحقيق المطالب الشعبية، فالجزائريون شعب صابر بقوة  ويمنح الزمن وقت كافي لأن يشهد النتائج على ما يرجو لها، لكنه حين يفقد صبره لا يخرج عن طوره بفوضى همجية، بل يتصرف بحكمة ويرسم خططه بتروي، بما يقود للنجاح.

على الشعب الجزائري أن يكرم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ويتعامل معه بحضارية بالغة وألا يسيء لرجل كهل ومريض في سنه، وعليه أن يقبل على مرحلته الجديدة بقلب مؤمن مخلص وينتبه لمستقبل وطنه حتى تحقق الثورة أهدافها بشكل ايجابي يرفع قيمة الوطن ومستوى حضارته ويظل شعبه الأرف قيمة، على الشعب ألا يكون عاقا لرئيسه القديم وهو من المؤكد أنه ليس كذلك وهو ما نعرفه من أصالة هذا الشعب البطل المغوار الذي قاد ثورة الشرف والحرية بدم مليون شهيد ولم يجبن أو يضطرب.

أستطيع أن أقول لشعب الجزائر مبارك نجاح مرحلتكم الأولى السهلة، وبات عليكم أن تديروا مرحلة اختيار الرئيس الجديد بكثير تفكير وكثير تروي داعية له حسن الاختيار.

مقالات ذات صلة

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *