الإحتراق في ظلال الموت

هيام فؤاد ضمرة 

كاتبة و مفكرة أردنية

أشتد جفاف حلقي فأرتبك منطوق حروفي، نظرات زائغة تغرق في الفراغ، والصور تستحضر نفسها تباعاً، تخاتلني تلك المرئيات وهي تتبدى كالسحب المتناثرة تتشكل بكل الوجوه، الماء لا يرويني ولا يبرِّد عطشي، كأنَّ ألواحاً مِنَّ الصُبار انحشرت في بلعومي، وغرزت سِنان شوكها لتخترقه إلى مساحة صدري، تحيله إلى خرائب منتهكة تم العبث بها..!

Share Button

كنتَ تمازحُني وترسم ابتساماتك الرائعة على مُحيَّاك المضيء، تحاول بها أنْ تبدد قلقي عليك، كنتَ مؤمناً بقدرك، مستسلماً لواقع ما هو مكتوبٌ لك، بل مسبشراً اقتراب لقاءك بخالقك، لا تخشى الموت ولست تسعى لتحاشيه، وكأنما الموت أيضاً لم يكن يخشاك وهو يقترب منك بلا وجل، كل الناس كانت تصرخ هولا وتتداعى أعصابهم إذا ما ظِلُّ الموت مرَّ قريباً منهم، إنما أنت لم تكن كذلك، كانت فيك صلابة من نوع فريد، فيك شجاعة نادرة، وتوكلاً على رب الخلق أندر، لم أستطع أمام قوة تماسكك الصمود فانفجرت بأزيز تمزقي باكية، ناحبة

لا أدري لماذا ارتعدت فرائصي حين مِلْتَ بمقدمة سيارتك نحو أقصى اليمين وأسكتَّ هدير ماتورها، ربما خفتُ أنْ أواجه خبراً صادماً يفكك تصابري، وربما خشيتُ أنْ يلحظ دموعي المارة فيستوقفهم الفضول، نظرتُ إليك مفزوعة دون أن أنبَسَّ ببنتِ شِفة، وأنتَ تستدير نحوي ووجهك يأخذ معاني الجدية، فإذا كفيك تحتوي وجهي وتركز نظراتك الحانية في عينيّ، تخترقاني إلى عمق مكنوني

يا إلهي.. كيف استطعتُ بثوان أنْ أرى كل الذي رأيت مِنْ اصطخاب يموج فيهما بلا هوادة، المنظر جمدني وأوقف نشيجي، ففاضت دمعة صامتة هذه المرة، لتنزلق على وجنتيّ تلسعهما ملوحتها لهيباً، فإذا إبهامَيْكَ يتحركان بفيض رحيم ليمسحانهما، وتقترب من وجهي لتطبع قبلتك على جبيني، ثم تهز وجهي بين كفيك بلطف وكلماتك تجلجل في أذني كأنما بها الصدى

– ندين هذه لست أنت!!.. أعرف تماماً أنك قوية، متماسكة كجلمود صخر، وتمتلكين إيماناً راسخاً بقضاء الله وقدره، فانهيارك هذه المرة يربكني، إنتبهي لنفسك يا حبيبتي فأنا بحاجة إليك، ولقوتك التي عهدتها بك طوال رحلة مرضي الطويلة.. أتذكرين يا حبيبتي كيف أن الله ناصرنا في العمليات الجراحية الكبرى في القلب التي تعرضت لها؟ لم يتخلى الله خلالها عنا، تحوطتنا ملائكته برحمته وعنايته، وتسابيحها جلجلت في سمائنا..تأكدي أيضاً أن الله لن يتخلى عنا اليوم أيضاً!

ظللت متجمدة، شاخصة في ملامحك، أقرأ كامل الاصطخاب في بحيرة عينيك، رأيتهما هذه اللحظة تكذبان، لم تستطع عيناك أنْ تخفي حقيقة ما يمور داخلك من قلق بلْ مِنْ رُعب.. نعم رأيت هذا الاصطخاب فيهما أيضاً ونحن في عيادة الطبيب، وأنت تستمع إلى تقرير الطبيب الذي كان ينقله عن كونسرتوا لمجموعة من الأطباء الأخصائيين الذين درسوا حالتك ووضعوا تصورهم ورؤيتهم في أمر تطور المرض معك، ووقوفهم عند حالة اليأس من فرصتك الاستفادة من العلاج بعملية فتح قلب ثالثة، لأن الضيق الذي وصلت إلية الشرايين هذه المرة لن تسعفك للبقاء حياً خلال العملية الجراحية!

ياه يا راضي.. ما أضعفنا نحن البشر حتى ونحنُ نُحاول أنْ نرتدي ثوب التجالد والقوة، يتبدى الهول في داخل أعيننا، فالضعف فينا يشف كما الزجاج من تحت جلودنا، إنه أقوى منا، ينتظر فينا اللحظة الحاسمة ليتفجر من عمق مكنوننا، فإذا به قد غدا قيحٌ يأكل داخلنا ويفتت عضدنا، الحكمة العلمية تقر بحاجتنا التعبير عن مكنوناتنا واستخراج الضغط الجاثم على صدورنا، والحكمة الروحية تطالبنا حسن التصبر والتجالد وتمنحنا عليه أجراً، فأين نحن منهما؟

نصبر، نراوغ، نغالب، نقهر، فنتطوح في آخر المطاف كالسكارى إنما بالوهن المجرح، فلا تبصرنا أعين الهدوء إلا وتقرحاتنا تنز صديداً

شهرٌ كما الدهر مرَّ مرور المسنن على نفسي وعقلي وأضلعي، كل شيء بي غدا متآكلاً كخرقة بالية مشرشرة الخيوط،، تهالكت قواي والصمت يحتفر رأسي للأعماق، الليل تحول لمارد الرعب يستخرج لي مخالبه وأنيابه، ويستل من بين أهدابي النوم كمكحلة خشنة تجرف حوافهما، فتظل عينيَّ باحمرارها شاخصة بملامحك الغافية، أنصِتُ إلى أنفاسك المُرهقة، أخشى عليك من ذلك المتطفل الذي بات يترصدك، أحرسك خشية أنْ يُباغتك أثناء نومك، وعلى حين غرة يخطفك من بين أهدابي، فأظلُ مستيقظة متيقظة الحواس لتحرسك عيناي.

أما النهار فكان أمره معي عجيباً، ساعة تأخذني المسؤوليات بعيداً جداً، لتعيدني فجأة من حيث تناولتني، وساعة تضيق الجدران على أنفاسي حتى تكاد تكسر أضلعي، فأنفجر خلال وحدتي بالبكاء انتحب ما استطعت للانتحاب سبيلا، إلى أن استنفذ آخر طاقة من قوتي فأهمد مهزومة مكلولة..

مكتوب عليك أيها الإنسان أن تحتمل قهر القاهر الأكبر، ذلك الموت الذي إما يباغتك فيجفلك بالقهر أو يبتعث مسنناته ليحفرك بالأخاديد مُجرَّحاً، وبكلا الحالين فأنت مشروعه الأكبر للألم المُضني وانهيارات الأحزان

شهرٌ كامل كان عليَّ خلاله أنْ ألعب الأدوار المزدوجة والمتناقضة، فأُبدي فرحي وقوتي وتجلدي وأتعامل مع الجميع بل مع كل الأحداث وكأن لا شيء يتهددني، أو كأن ليس بعبع الموت ذلك الذي يقف مصلوباً على عتبة بيتي.

فأبنائي يجب أنْ يظلوا بمنأى عن الألم لألا تخفت فيهم الهمم، أو تكِلُّ أنفسهم بالخوف، فيهتز بهم الأمان مما قد يُؤثر سلباً على دراستهم وردُّ أفعالهم، والناس المحيطون بنا كذلك لا يجبْ أن يعرفوا الحقيقة حتى لا يسيئوا بتعاطفهم إلى مشاعرك.

فكان عليَّ أن أكون كالطود الأشم بينكم جميعاً ومعكم كلكم، باستثناء مع نفسي.. مؤلم جداً حين تجد نفسك مرغماً أنْ تعايش الألم والقلق والخوف وحيداً، مكبلاً بالرهبة والقلق والخوف، أن تنام في أحضانه وتدعي أنك إنما تنام قرير العين، فتحترق صامتاً دون أنْ تجرؤ على الصراخ، ويتفتت كبدك دون أنْ تتأوه، وينهار عضدك وأنت بالحقيقة فتات، فإذا بك مخنوقاً بالصمت الموجع، مخترقاً بسنان هجماته الموجعة.

في ذلك العصر الصيفي، وقد اجتمع فيه شملنا في صالة المعيشة أمام شاشة التلفاز، نتابع فيلماً كوميدياً أمريكياً انتزع الممثلون الهزليون فيه الضحك مِنْ أعماقنا، وفي لحظة متفلتة عنْ مسلسل الأحزان، كانت فيه أعيننا منصبة باتجاه الشاشة الصغيرة، مستغرقين في الضحك، لأتنبه وحدي وأنتَ قبالتي، أنك كنت خارج دائرة تفاعلنا وانخراطنا مع الضحك أمام هزلية المشاهد، وأنَّ نظراتك منصبة في ملامح وجهي وكسوة من الحزن تجللها، لا تولي انتباهك لما كان يشد انتباهنا ويثير ضحكنا، واجهتك بنظرة استغراب وسؤالي يستوضح منك عما فيك، فتمهلت بالجواب، ثم قلتَ متداركاً.

– أنتِ جميلة جداً يا عزيزتي، وابتسامتك الساحرة تخلب الألباب!

رددتُ بابتسامة تخالطها ملامح مشوَّحة بالدهشة وكثير استغراب.. فأكملتَ حديثكَ

– وإنكِ تبدين أصغر منْ أكبر بناتك!

صمدتُ عند حدود صمتي؛ ونظراتي تتجمد فيك، أحثك على استكمال ما تود قوله لأدرك ما يعتمل بداخلك

– هلْ تدرين أني سأتمنى على خالقي أنْ تكوني أنتِ حوريتي في الدار الآخرة!؟

جفلني كلامك، شعرت أني اخترق مكاناً ضيقاً يخنق أنفاسي، لقد أعدتني بسرعة عجيبة إلى ظلال الموت، وكان انقشع لبرهة يسيرة عني، هربت من براثنه في وقت كان يتلبسني كجلدي، لا يسمح لي بالابتعاد بضع هنيهات، فقد كانت أنيابه قريبة من عنقي، يوشك أن ينقض ماصاً آخر قطرات دمي..




رغم المفاجأة لم يتبادر لذهني ساعتها إلا أنْ أُنأى عنك ظلالَ هذا الشبح وأبعده عن تفكيرك قدر المستطاع، إذ أنكَ أسقطتني في لجة موجة تسونامية رهيبة جرفت بقايا أسواري، انتزعتني من لحظة تفلت آنية، لتعيدني إلى حالة تتخبط في أرجائها روحي المضنية..

فقلت ضاحكة أواري احتدام روحي وغايتي ممازحتك لا غير، ولأهون وقع الذي يمور بداخلك

– لا أرجوك دعنا نمارس التغيير لعلنا نعايش شيئاً جديداً!

لست أدري كيف تساقط عليك الحزن مؤلما، فانكمشت تعابير وجهك وكأن وجعا يزمها.

فغيرت ما كنت تريد أن تقوله بعبارة آخرى.. فقلت

– لو أنكِ يا ندين توفيتِ قبلي والموت نهاية الجميع فلنْ أتزوج ثانية بعدك أبداً!

عبارتك وضعتني أمام مقصدك دون التباس، ثمة شيء مبهم جعلني استمر متمادية في مناكفتك لأنثر شذرات المزاح والضحك في الأجواء.. فقلت

– أنت حينها حرٌ بحالك، وأنا أيضاً سأكون حرةً بحالي!

فإذا القلقُ يتضلعُ في عينيك فيصبح بارزاً، فتستدير نحو أبنائنا والجد يكسي ملامحك هذه المرة لتتوضح أمامي رسالتك..

– أبنائي الأعزاء أوصيكم أنْ حافظوا على أمكم محافظتكم على أنفسكم، وابعدوا عنها طامعي الزواج لأنهم سيكونون كثر، فإنها كنزنا الثمين الذي لا يجب أن يقترب منه إنسان آخر!

لحظتها انفرط جراب ضحكي من الأعماق، لا أدري أهي لفرط ألمي عليك وأنت تترقب الموت وتحسب حسابات ما بعده، أم لأنانيتك المفرطة في حبك لي وأنت تريدني لك وحدك حياً وميتاً، ورحت أقهقه لا أكاد أستطيع لجم نفسي، دمعت عيناي لشدة ما ضحكت، فانقلب فجأة ضحكي إلى بكاءٍ فعويل، وقمت إليك أعانقك معانقة أم لولدها الصغير لتبثه الحب والحنان.. كل ما تبادر إلى خاطري لحظتها أن أمنحك الألطف حناناَ من مشاعري ونفسك تطلبه بشدة فقد كنت في أمس الحاجة لها.

لملمتني في حضنك كطفل صغيرتستدفيه من برد، فكم كان هذا الحنان سخياً، وكم كان ذلك الألم في داخلي متفجراً يهيل كل سقوفي.

صباح ذلك اليوم الذي بدا كئيباً منذ لحظته الأولى، وقد احتقنت السماء بغيوم صيفية جافة تدفع القلب إلى الانقباض، تسحبت بأرَقي الليلي بعد صلاة الفجرلأتمدد بملابس صلاتي على الأريكة الكبيرة في صالة المعيشة، لتسحبني غفوة عطشى إلى شاطئها المتباعد، لم يكن قد مضى على غفوتي كثيراً حين وجدتكَ فوق رأسي تستنجدُ بي

ندين.. ندين؛ أنظري كأن خطواتي لا تأخذ لها استقامة، أحس بانحراف اتجاهي رغماً عني .. أرجوكِ راقبي سيري.. هل تلاحظين ذلك؟

فتحت عيوني فزعة ونهضت جالسة بسرعة وعيوني صاخصة في مشيتك، فيما أنت تخطو أمامي كطفل راضخ لمشيئة أقوى منه غير مدرك كنهها، يحاول جاهداً سبر غورها، لم تكن خطواتك متوازنة، فأدركت أنَّ الشريان المعطوب إياه الذي يغذي دماغك وصل في ضيقه المرحلة الحاسمة، مقصراً في تروية خلايا دماغك بالدم، ذلك المتحكم بأجهزة جسمك.

فنهضتُ من مكاني كالمصعوقة وأجلستكَ وأنا أنبهُكَ ألا تُقدِمْ على أي مجهود مهما كان بسيطاً، وأخبرتكَ أنه يتوجب علينا الذهاب بك حالاً إلى المشفى، من باب الاطمئنان..!

كنت أساعدك على ارتداء ملابسك بأيد مرتجفة، فيما ساعداك ممدودة تقبض بأصابع كفيك بكتفيّ، اغرورقتْ عيناك بالدموع وأنتَ تبادرني بعبارتك

– ندين يا حبيبتي أرجوكِ أنْ تسامحيني على كل شيء..!

قلتُ بخوف لم استطع كتمانه

– لا تقلْ ذلك أرجوك ليس بكَ شيء، هو فقط مجرد إجراء للاطمئنان عليك، وفي المشفى سوف يقدمون لك اللازم قبل استفحال الأمر!

كانت بي رغبة قوية لأن أمزق أغلفة حنجرتي وأطلقها في الصراخ بصوت عال، للاعتراض، للاستجداء، أو حتى لمجرد البكاء، ولكن الله منحني لأجلك التجالد، حاولت أنْ أزيف نفسي، أنْ أجعل ظاهري لا يشي بحقيقة ما بداخلي من اصطراع يفتت عضدي، ورحتُ ألقي على أبنائي الأوامر في أداء واجباتهم قبل خروج كل منهم إلى وجهته، دون أنْ أمكنهم من رؤية ملامحي، خشيت أنْ تخونني وتكشف هول ما بي، بينما قدناك مستسلما كلياً أنا وإبني إلى السيارة بكل حذر وروية.

عند باب المشفى خانتك قدماك وأبت أنْ تطيعانك، فأحضرنا لك المقعد المُدَوْلب، ومن بعد هذه اللحظة خانكَ تجالدك وانفرط عقده بكل الوجع، فبكيتَ لأول مرة في حياتك، بكيت نفسك وحياتك التي توشك أن تنطفئ شعلتها، ذرفت دموعاً كانت عصية، تنهنه بحشرجات بكائك مع اضطراب وجهك المحتقن بالزرقة، فأسرعت نحو الكرسي المتحرك وعقلي يرفض قبول فكرة أنْ نعود بدونك إلى الأبد، وبدأتْ حواسكَ تتداعى تباعاً وأنت بين يدي الأطباء، وأمام ناظريّ، حتى استسلمتَ أخيراً لغيبوبة أبتْ أنْ تطول.

لست أدري أيها الغالي أكنتَ أنتَ مَنْ يُسارع الخروج مِنَّ الحياة، أم أنَّ الموت كان يستعجلُ اختطافك.. لكنه القدر يا عزيزي وقد قال قولته الأخيرة وأغلق بعدها الكتاب، القهر الأبدي الذي وُجِدَ للسع قلوب البشر وحفر أثر الفقد عميقاً، النهاية الحتمية التي نخطو كل خطوات الحياة لنصل محطتها الأخيرة شئنا أم أبينا، نعبر بوابتها إلى عالم برزخي مجهول المعالم..

حط الموت بضخامة جناحيه مغلقاً كل احتمالات التصابر ليخذل عقلي، ويقهر أملي، ويصعق تلافيف دماغي صعقته الأشد، ليس فقط لأنه هلهل سقف حياتنا بافتقادك وأطفأ شعلة الحياة فينا، بل لأن ما بعد فقدك كان هناك منا من جعلنا نسيرُ على حافة الجُرف على رؤوس أصابع أقدامنا، وفي القاع فك يوشك على افتراس احتمالنا، فلا قائد لنا بعدك ولا ظهر نتكئ على صلابته، فبغيابك فقد الملاذ دفئ زواياه وحط الصقيع فصلا طويلا لا ينقطع.

مقالات ذات صلة

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *