أحكام في زمن الظلم والظلام

هيام فؤاد ضمرة

كاتبة و مفكرة أردنية

كيف لدولة عظمى تتولى صفة العراب، وتمنح دور القاضي الفاصل في قضايا خلافات الدول وصراعاتها لهدف تعميم العدالة وتقريب وجهات النظر على الحق، واتخاذ دور رفع ميزان الحق والعدالة الانسانية والحقوقية، وتمنح من قبل أطراف النزاع دور الحكم بين المتخاصمين، أن تجانب الصدق والمصداقية والعدل والحق، فتسعى لأن تميل دفتي الميزان عن استقامتهما، بل وتسقط ميزان العدل من يدها وضميرها وتحكم أحكاما جائرة وتتخذ قرارات ليست تحتمل في العرف الانساني سوى القول أنها مجنونة وغير منطقية، ليس للحق فيها أعمدة قائمة، ولا بنياناً يرتفع للفضاء، بل تجذر في حكمها الظلم والبهتان إلى درجة العدوان؟

Share Button

كيف لدولة عظمى أن تتلاعب بالعالم كما تتلاعب بأحجار النرد، فتلقيها على ما تأتي عليه  مهما كان في ذلك من ظلم وتجني، واذا اعتدل الرقم للفوز سارعت إلى قلبه ورفض نتيجته؟.. كيف لها أن تعبث في أمن الدول الفقيرة والقابعة في سلامها فتزيدها فقرا وتضاعفها ظلما وتخنق أنفاسها عنتاً؟.. كيف لها أن تهبط بحقيقتها إلى مهابط الخزي التاريخي دون أن يتحرك في حكامها اعتدال أو يصحو فيهم الضمير؟.. بل كيف تتخطى حدود صلاحياتها وتمنح نفسها ما لا يحق لها التدخل فيه واتخاذ القرار بما يخصه وملكيته وهي لا تملك به حقاً ولا مستحقاً؟

هذه هي أمريكا كما تظهر صورتها جلية واضحة تماماً أمام العالم دونما أدنى حرج ولا مرجعية قانونية دولية تقوم على مبادئ معترف بها، وهذه هي دولة عظمى تهيمن على العالم بعنجهية الغرور ونفسية المبتور وقوة فرض الحصار بالعقوبات الجائرة، وتبالغ بقدراتها على إحداث لغة العنف والجبروت والظلم بغير حق وبث الفتن المخربة المثيرة للقلاقل والحروب الداخلية، وتقويض القانون الدولي الذي تدعى حمل رايته، ثم تمارس كل ما يتنافى مع مبادئ هيئة الأمم المتحدة وميثاقها العالمي المتمثل في احترام سيادة الدول وحق شعوبها في تقرير مصيرها وحماية حدودها وصون حق مواطنها.

وها هي تواصل ما اعتادت القيام به في تخريب الدول وزعزة أمنها الاقتصادي والاجتماعي وإثارة حفيظتها واستنفارها العسكري، وهي تعرف لكل شيء من أي الزوايا تحسن الضغط عليها وتكون في أقصى قوتها التأثيرية البالغة، فتمارس قرارات مستهجنة غير مقبولة قانوناً ولا حتى أخلاقاً، وقرار رئيسها الغريب الأطوار وغير الناضج وغير المتحكم بذاته سياسياً لا تليق برئيس دولة تعتبر عرابة حل الأزمات ومفتاح العالم للسلام، فالرئيس الأمريكي الحالي يلعب بذؤابات اللهب كما لاعب السيرك الاستعراضي كل هدفه الحصول على أكبر زوبعة تصفيق، لكنه لم يحقق ذلك على ما تصوره بل حقق انعزالاً وتمرداً وائتلافات دولية لمواجهة الهيمنات الأمريكية وقرارات حكامها المراهقين غير السوية،

فالجولان السوري حق عربي سوري ليس للرئيس الأمريكي حق اتخاذ القرار به ووهبه وكأنه مالكه، فتصرف كهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن هذا المراهق المغرور يغرد خارج سرب العاقلين والموزونين، ويلعب بالنار التي ستحرقه في نهاية المطاف مهما احتكم على أعتى القوة التدميرية في العالم، والتجربة السورية مع القيادة الأمريكية وفوضى قراراتها بات درسا دولياً معتمداً في مواجهة المؤامرات الأمريكية الاسرائيلية.

وها هو من جديد الرئيس ترامب ذي الوجه المشتعل دوماً بالحمرة والرأس المغبر يعود ليطل على العالم بممارساته الاستفزازية متحرشاً هذه المرة بإيران، على غرار الصورة التي برزت في الماضي مع جارتها العراق عام 2003م وتحول الكيد الأمريكي الخبيث يومها من ايران نحو العراق بشكل مفاجئ، موجها ضربات متعاقبة من المحاصرة والمناورات الكلامية والتهديدات والحرب النفسية لإضعافها وكسر شوكتها باختراقها قبل مهاجمتها، وجرها إلى حرب أهلية قاده زمرة من الخائنين أعداء العراق، متسببين في ممارسات وحشية غير انسانية مع فئة من أهل العراق ليجروا البلد إلى الطائفية البغيضة.

فإذا كانت كل المؤشرات اليوم تتشابه مع أحداث الأمس ، حصار فتهديدات فإنذارات، وتحركات حاملات طائرات مجهزة بالصواريخ من كل نوع ولون ترسو في كل بحر ومحيط، وكل معبر ومضيق، وفرقاطات حربية وغواصات نووية، وأسلحة للقتل الفظيع حديثة لم تجرب بعد واشتدت الحاجة لتجربتها عملياً.. فهل ستجد ايران حينها نفسها تتنفس تحت التراب والرماد كجارتها، وقد اشتعلت مدنها بالطائفية ومارت أزقتها بالاختلالات والاختناقات، واختلط الحابل بالنابل، وتسارعت عقارب الساعة نحو لحظة هبوطها الاضراري في مربع التسليم؟

وتحت أي مسمى سوف تتخذ أمريكا أسبابها من أجل شيطنة ايران واتخاذها القرار لتوجيه ضربة عسكرية اضطرارية ضد ايران، بعد أن استنفذت حاجتها إليها خلال احتلالها للعراق، وتركتها حينها للمهمات القذرة تشفي غليلها وتدمي دليلها، ولم تنتظر محركات الأفكار في جهاز ترامب أكثر من العادي من الوقت بعد أن انتهت من أهم دولتين عربيتين كانتا تشكلان تهديدا مؤكداً لإسرائيل وخطة فرضها على دول الشرق الأوسط وضمان أمنها لأمد طويل، وتمددها بما يلائم قوتها التي تم الاشتغال عليها خلال المماطلات التي تمت تحت مسمى محادثات السلام، تلك اللعبة التاريخية الجديرة بالسخرية.




تفلت الزمام مع ترامب لدرجة ما عاد يولي رأي أعضاء الكونغرس أهمية تذكر مستغلا قانونا كان صدر في أعقاب أحداث 11 سمبتمبر يمنح الرئيس سلطة توجيه ضربات عسكرية إلى دول أو منظمات ارهابية دون الحاجة لموافقة الكونجرس، فيتخذ قرارات فردية دون هياب، ويركّب الأسباب بحجم رؤياه الشخصي، ويدعي ما يدعي طالما هناك من يجيد الإدعاء فيما بعد بأنه غرر به وتسلم المعلومة المغالطة على أنها حقيقية وهي ليست كذلك، باتت لعبة بطانة الرئيس الأمريكي مكشوفة، ولعبة المخادعة مستنزفة.

ما لا يستطيع أن يدركه ترامب هي معادلة التفكير الفلسطينية بالنسبة لقضية وطنهم وسرقته بالاعتداء والحيلة والخديعة، فما يعتقده ترامب أن العرب كلهم سواسية في سوق البيع المعروض بكل صفاقة، ويمكن شراءهم كما أي سلعة، بل وممكن المقايضة معهم على وطنهم المسلوب والحصول على تخفيضات الموسم النهائي، فالفلسطينيون لا يريدون لوطنهم بديلا ولا ثمنا مادياً، ولو كان بثروات الدنيا من المليارات، وما زال ترامب يحرك أدواته في كل مياه راكدة أملاً بفرض مبادرته الجائرة بالحل، ويطلق المصطلحات كأنما هي حقيقة وما هي كذلك، ويوقف المساعدات وبرامج الدعم بحجة أنها لا تجدي نفعاً، في حين اسرائيل تسيطر على المقدرات الاقتصادية الفلسطينية وتقلص بأموال المقاصة لضرب الاقتصاد الفلسطيني، على أمل الضغط عليهم إلى حدود الاختناق كما هو الحال في غزة المنكوبة انسانياً، ولن يكون مؤتمر البحرين إلا منفذا لزغللة الأنظار تجاه المبالغ المعروضة مقابل القبول بصفقة القرن.

مجلس التعاون الخليجي تفكك بنيانه واهتزت قاعدته وانفتحت به ثقوب كثيرة، ولم يعد قوة عربية حصينة كما كان عليه سابقاً، وصار حكامه كل يتخذ موقفه منفردا بعيداً على ما تعودناه فيهم من الاتفاق على موقف واحد واتحادهم بقبضة الأياد التي لا يهزها ريح، وكان العالم العربي يضع على هذا الاتحاد آمال كبيرة،

ومصر أخذتها مصالح وتطلعات باتجاه التيار الضارب بالمنطقة وتخلت عن دور القيادة العربية، والعراق وسوريا لن يكون بامكانهما النهوض من وعكتهما المدمرة، والدول العرب جميعها غرقت في مستنقع الفساد والانهيار الاقتصادي والأمني، والعرب ما عادوا كلهم عربا، صاروا فرقاً وطوائف وأجناس ما انصهرت بعروبة العرب، تطلب الانتساب لأصولها وتستعيد لغة جدودها، أكراد وأمازيغ وشركس وشيشان وتركمان وغيرهم.

وهكذ استطاعت أمريكا واسرائيل وحلفائهما وضع الفلسطينيون في الدائرة الأضيق من فوهة الزجاجة مقطوعي الأنفاس، محاصرين مسلوبي الحقوق يتصدون بصدور مكشوفة وأرواح مصفوفة ومصالح مفقودة، وقوة لا يمكن بأي شكل وتحت أي ظرف أن تستطيع مواجهة قوة عدوها المدجج بالمال والسلاح ودعم قوة عظمى، وحيدون باتوا في مواجهة فوهة المدفع الكبير، وكل المشارط توشك أن تقطع الحبل السري الذي يغذيهم، فهل ينجح الأعداء المتكاتفون أن يرفعوا الأوكسجين المغذي عن أنفاس القضية؟ .. اللهم رحمالك إن انتهى أمر القضية.

مقالات ذات صلة

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *